السيد كمال الحيدري
374
أصول التفسير والتأويل
يتجلّى الحقّ في صورة كتابه بحسب ملابس حروفه وكلماته وآياته تجلّياً معنوياً حقيقيّاً ، كما يتجلّى المعنى في لباس الحروف والكلمات والآيات . ومن قرأ الكتاب الآفاقي التفصيلىّ أيضاً على ما هو عليه في نفس الأمر ، أعنى من حيث الإجمال والتفصيل ، وطابقه بالكتاب القرآني حرفاً بحرف وكلمةً بكلمة وآيةً بآية ، تجلّى له الحقّ في صورة مظاهره الأسمائية وملابسه الفعلية تجلّياً شهودياً كلّياً تفصيليّاً بمصداق قوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( الحديد : 3 ) وقوله المتقدِّم : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( فصّلت : 53 ) ، وبمصداق قول العارفين من عبيده : ليس في الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ، فالكلّ هو وبه ومنه وإليه . وفيه قيل : تجلّى لي المحبوب من كلّ وجهة فشاهدته في كلّ معنىً وصورة فقال : كذاك الأمر لكنّما إذا تعيّنت الأشياء بي كنت نسختي « 1 » وكما يتجلّى الحقّ في صورة عالم الآفاق يتجلّى في صورة عالم الأنفس . وإلى هذا المعنى أشار النبىّ صلّى الله عليه وآله حيث قال : « من عرف نفسه عرف ربّه » « 2 » ففي الصورة الإنسانية المسمّاة بالنشأة الجامعة الكلّية ،
--> ( 1 ) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ ، مصدر سابق : ج 1 ص 341 . ( 2 ) عوالي اللآلي العزيزية ، مصدر سابق : ج 4 ص 102 . / / قال بعض أهل المعرفة : « لمّا كانت جميع الموجودات الظاهرة بمظاهر الأسماء الإلهية ، كلّها مجالي للحقّ تعالى ، وكان الإنسان أتمّ مجاليه التي تظهر فيها حقيقته ، إمّا بالقوّة أو بالفعل على مراتبه ، كان الإنسان من حيث هو أعظم المجالى وأشرف الكتب الإلهية . فكلّ من عرف نفسه وطالع في كتابه على ما هو عليه في نفسه ، تجلّى له ربّه على ما ينبغي . ولهذا قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ ( الإسراء : 14 ) اعرف نفسك وكيفيّة ارتباطها ببدنك ، واعرف الآيات والكلمات والحروف التي قد اشتمل عليها ، فكفى بها حسيباً عليك وحجّةً في وجوب معرفتك لباريك . وهذا هو السرّ في قوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( الذاريات : 21 ) ، وقوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ( فصّلت : 53 ) . كيف لا والإنسان هو أحسن المخلوقين وخالقه تعالى أحسن الخالقين : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( التين : 4 ) ، وقوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون : 14 ) .